السيد عباس علي الموسوي

92

شرح نهج البلاغة

بدوره أن يسقط من نفوسهم الخوف من اللّه والفزع من عقابه وهذا بخلاف ما يجب أن يكون عليه العامل للهّ من الخوف والإشفاق . . . وقد شبهوا ذلك بالإنسان الذي إذا عمل لبعض الملوك عملا يستعظمه فإنه يرى في نفسه استحقاق أجزل جزاء له ويجد التطاول به فيهون ذلك ما يجده من خوفه وكلما ازداد استعظامه لخدمته ازداد اعتقاده في قربه من الملك قوة وبمقدار ذلك ينقص خوفه وتقل هيبته في نظره فنفى عليه السلام أن يكون الملائكة كذلك بل هم دائما خائفون من اللّه ووجلون من عذابه . . . ( ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم ) . لم يغلبهم الشيطان بوسوسته لهم فيختلفوا في اللّه أو في صفاته كما هي حال البشر حيث استولى عليهم الشيطان فبعضهم أنكر وجوده وبعضهم أشرك معه غيره وبعضهم نفى عنه بعض صفاته وهكذا . . . ( ولم يفرقهم سوء التقاطع ) . التقاطع الذي يعني أن كل واحد يقطع الآخر ولا يوصله ولا يتعارف معه المؤدي إلى الفرقة وأن يعيش كل واحد منفردا عن الآخر وبعيدا عنه لم يجتمعوا نحو غاية ولم يمشوا نحو هدف هذا الأمر لم يعشه الملائكة ولم يعرفوه لأن هدفهم اللّه وهم في طاعته وحدة متكاملة . . . ( ولا تولاهم غل التحاسد ) . لم يستول عليهم حقد المتحاسدين الذين ينظرون إلى بعضهم بمنظار العداوة والحقد ويتمنى كل واحد منهم أن تزول النعمة عن غيره حقدا وحنقا عليه . . . ( ولا تشعبتهم مصارف الريب ) . لم تفرقهم أو تقسمهم الشكوك ببعضهم ، فلم يجر في حق أحدهم شك في شبيهه أو نظيره لأنه لا مصالح أو منافع تحكمهم وتجعلهم أسراء الظنون والشكوك . . . ( ولا اقتسمتهم أخياف الهمم ) . لم تجعلهم الهمم المختلفة عندهم أصنافا منقسمة وأجزاء موزعة بل هم جبهة واحدة موحدة متوجهة نحو اللّه تعالى . ( فهم أسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول ولا ونى ولا فتور ) . إنهم يعيشون في ظل الإيمان باللهّ قد استحكمت العقيدة من نفوسهم بحيث لا يمكن أن يطرأ عليهم شيء من العوارض التي تمر على البشر فيخرجهم عن إيمانهم ، فلا يحرفهم جور ولا عدول عن الحق ولا ضعف ولا ملل كما هي حالة البشر وطبيعتهم حيث تخرجهم هذه عن حظيرة الإيمان إلى التمرد والعصيان . . .